الإنارة


تعاليم البودا

شمس اللوتس


------------------------------------------------------

الوصول الى السعادة الحقيقية

والإطمئنان الأعمق في الواقع اليومي ؟


الإنارة

هل يمكن للإنسان الوصول الى السعادة الحقيقية والإطمئنان الأعمق في الواقع اليومي ؟

المعروف أن ظروف الحياة تتغير باستمرار و تزداد في صعوباتها. هذه الحقيقه تثير الشعور بعدم الثبات و ايضا بالقلق : لأن حياه الانسان تسري في الواقع كما في مثال ابحار زورق صغير في بحر هائل متلاطم الموج , حيث يدفعه الزمن و يسيره الى مستقبل غير معروف.

طالما أن ظروف المحيط غير ثابتة , و الاعتماد على الاخرين غير موثوق , اذاً لايبقى سوى سؤال واحد:

" هل يمكن قياده الحياة وتسييرها نحو السعادة و الطمأنينة بالاعتماد على قدرات الذات فقط ؟ "

في الواقع , هناك كثير من المفكرين الذين يبينون أن الانسان لا يستخدم عاده الا جزءاً صغيراً من مقدراته الداخلية , ولربما أقل من عشره بالمائه من إمكانياته الفكرية و النفسية. هذا الواقع يقابل - على سبيل المثال -  شخصاً يعاني من الفقر او الضعف و سوء الحال ولكنه لايعلم عن ان لديه ثروة كبرى ومقدرات عظيمة خاصه به. وعدم معرفه  وجود القدرات الداخليه لا يمكن الفرد طبعاً من استخدامها.  تتفق هذه النظره حول وجود قدرات ضمنيه كبرى للانسان , مع الفكر البوذي , او فكر الاناره الداخليه, والذي يبين أن كل فرد مجهز بشكل طبيعي بالمقدرات التي تمكن من التغلب على كل الصعوبات و ايضاً على الاستمتاع بالحياه  مهما كانت الظروف.

كلمه "بوذا" تعني :" الانسان المنار" , أو " الذي وصل الى الاستناره الفكريه و الروحيه" وهو الوضع الاعلى للحياه الذي يوفر السعاده والامن و المعنى  في الواقع الانساني .

1

                                                                             لمحة تاريخي

كان اول من لقب بالانسان المنار ( بودا)  شخص يدعى " سدهارتا كاوتاما         والذي ولد في حوالي عام 500 قبل الميلاد , إبناً لملك لمنطقه في شمالي الهند    (مملكة "ساكيا") .

و نسبه الى تلك المملكة  يسمى البودا ايضاً ب "ساكياموني Sakyamuni   

رغم تمتع "ساكياموني " بافضل ظروف الحياة المريحة , كان اهتمامه الشديد بموضوع سبب معاناه الناس العاديين اهتماماً يفوق اي تفكير او رغبة بامور المملكة .

 لماذا يولد الانسان , ويتعذب في الطفوله , ماراً بمراحل من معاناه المرض ثم  الكبر والشيخوخه  وذلك لينتهي بآلآم الموت ؟  دفع هذا السؤال الملح ساكياموني إلى الزهد في أمور الحكم إلى حد أنه قرر ترك المملكة في عمر 29 للبحث الروحي , بادئاً رحلته الشاقة لايجاد حل لقضية المعاناة الانسانية و الوصول الى الانارة عبر ممارسة التأمل و السيطرة على الذات .

قام ساكياموني اولاً بممارسة اليوغا و تمارين التقشف للسيطرهة على الرغبات . ثم اتجه الى جلسات التأمل الفكري المطول والتركيز بهدف ادراك الحقيقة الروحية للوجود. وبعدعديد من سنوات الجهد المتواصل للإدراك , استطاع ساكياموني الوصول الى الاستنارة او اليقظة الفكرية والروحية العليا , والتي هي أعلى مرحلة في الحياة الانسانية , مرحله البودا.

كان ساكياموني قد بدأ رحلته الروحية مع عدد من المتقشفين و الباحثين مثله . وحين عاد اليهم بعد وصوله الى الاناره , ادرك الجميع انه قد حقق امراً بالغ العمق و الأهمية وأنه قد اصبح ذو قدرات نفسيه كبرى , تمكنه من جلب الطمأنينه و السعادة و الحكمة الى المحيط حوله . و بنتيجة هذه الحقائق والإثباتات تحلق الناس حوله لسماع التعاليم , راغبين للانفسهم أيضاً الكون مثله : حياة من الانارة .   

2

التعاليم البودية

قام ساكياموني بتوضيح الإرشادات المؤدية للإناره الى سامعيه بالتدريج , وقد سجلت فيما بعد في مجلدات تدعى " السوترا ". كلمة سوترا تعني التعاليم , وهي نقل كتابي لما قاله البودا ضمن فتره ال 50 سنه من تبيانه للمواعظ و الشروحات.

وبما ان عدد كتب السوترا كبير جداً , لذلك أيضاً يوجد الكثير من المدارس أو الفرق البوذيه المختلفة , حيث يعتمد كل منها على قسم محدد من التعاليم اساساً لممارساته.

والبوذية ليست ديانة يمعنى الديانات السماوية بل هي طريقه حياة انسانية تتصف بتعاليم مرنه جداً.

بعد وفاه ساكياموني في عمر الثمانين , قام اتباعه بتشكيل " المجلس البوذي " لتسجيل التعاليم  ونقلها الى الآجيال القادمه.  تم ذلك على مراحل زمنية متتالية , أولاً باللغه السانسكريتيه , ثم جرت ترجمات لاحقه الى لغه " بالي " و اللغه الصينيه ومنها الى لغات مختلفه .


3

المدارس الثلاثة

تختلف السوترات عن بعض حسب الزمن الذي أعطيت به خلال فتره الخمسين عاماً من التبشير والذي تم بالتدريج . وقد قام البودا في المرحله الاخيره من حياته باعطاء التعاليم النهائيه له بتلخيص كامل في " سوترا زهره اللوتس ".

ورغم أن[ تعاليم اللوتس] تعتبر القمه في شمولها , إلا أن كثيراً من المدارس البوذية الحالية يعتمد تعاليماً سابقه لها. لذلك فإن هناك تيارات كثيره جداً في البوذيه , وشديدة الإختلاف عن بعض , ولكن يمكن تلخيصها في المدارس الثلاثه التاليه :

* البوذية الإبتدائية: وتسمى أيضاً " هينا يا نا "  Hinayana أي المركبة الصغيرة  للوصول إلى الإناره " , وكلمه " صغيرة " تأتي من كون تركيز تعاليمها على التزهد و انكار الرغبات وعلى الخلاص الشخصي. مثال هذا التيار هوما تمارسه معابد تايلاند و سرلانكا.

  1. *البوذية الأعم: وتسمى أيضاً " ماها يا نا  "  Mahayana أي المركبة الأكبر للوصول الى الإناره " , وتعتمد تعاليمها على امكانيه وصول الإنسان إلى الإناره ولكن بعد تمارين شاقه و لمده طويله. مثال هذا التيار هو البوذيه التيبتيه و ما يمارس في كوريا و اليابان.

* بوذيه اللوتس :Lotus Buddhism  وهي فرع من الماهايانا يعتمد سوترا اللوتس أساساً لتعاليمه , والتي تبين امكانيه وصول الإنسان الى الإناره في واقعه اليومي دون لزوم  لأي من التحديدات أو الممنوعات , وتتميز تعاليمها بالسهوله و العصريه , وهي تمارس في اماكن عديده من العالم ’ من قبل أفراد من مختلف الجنسيات , و بشكل مباشر أي بدون اللجوء إلى المعابد  .


4

بوذيه زهره اللوتسLotus Sutra

قبل ثمانية سنوات من رحيله , قام  البودا ساكياموني بتبيان أن كل تعاليمه السابقه كانت تحضيرية , وأنه بصدد اعلان التعاليم النهائية , والتي سجلها اتباعه في سجل يدعى ب "سوترا زهره اللوتس" .  بين البودا في هذه السوترا أن حياتة الحالية - التي بدأت لدى ولادتة – ليست الحياة الوحيدة له التي أدرك فيها الإنارة , بل أن له عدد لايحصى من الحيوات في السابق السحيق , كان فيها يعمل دوما على إنارة فكر الناس و مساعدتهم. كذلك بين أن كل انسان قادر على الوصول مثله الى الإناره (أي الى حياه الحريه النفسيه و الحكمه والسعاده الحقيقيه) .

وتعتبر سوترا اللوتس من أقدم الوثائق الإنسانيه التي تنص على مساواه كل الناس في حقهم في التحرر التام من المعاناه والوصول الى اعلى درجات السعاده في حياتهم اليوميه كما هي بالذات  – دون ضرورة اتباع اسلوب الزهد أو أي من التحديدات .

ترمز كلمه " اللوتس" إلى الزهره التي تنبت بنقاء ورونق على سطح ماء المستنقعات في الاحراش . وبمقارنه حياة الإنسان بشكل رمزي مع مبدأ نمو زهرة اللوتس , يمكن الإشارة إلى أن الإنسان – كاللوتس - قادرعلى النمو والحياه بسعاده ونجاح في ضمن أحراش المجتمع الإنساني دون التعرقل به أو الإنجرار الى صعوباته أومآسيه وظروف معاناته.

يطرح نظام نمو زهره اللوتس مثالاً لنا من الطبيعه :

- رغم أن المستنقع والظروف المحيطه بالزهره لا تتصف بالنظافه , ولكن الزهره ذاتها لايصيبها أي تلوث , وهي دوماً في تأجج بالنقاء و الاشراق. ولهذا معنى على مستوى الحياه اللإنسانيه حيث يتصف الإنسان المنار  بالقدره والإشراق رغم سوء الظروف المحيطه , قادراً بذلك على مساعده الآًخرين أيضاً. إننا نحيا ضمن ظروف وضعوطات كثيره , مما يمكن تصويره مثلاً بالظروف و المواد و الآملاح المحيطه بزهره اللوتس في المستنقع . ولكن الزهره تستخدم كل ما حولها من المواد والأملاح و تحوله الى كيان بالغ الجمال شكلاً ولوناً ورائحة عطرية .

5

وبالمقابل فإن هذا المبدأ يوحي كذلك اننا قادرون على استخدام ظروفنا و ما نجابهه من أمور – مهما كانت – لأجل النمو و النجاح.

كذلك فإن لدلالات اللوتس فائدة رمزية كبرى في احساسها بالنور و الظلام : فهي تظهر ارتباطاً  بالشمس إذ تتفتح زهرتها في وقت الشروق ثم تغلق عند الغروب .

- ولكن الدلاله اللأهم لها هي في ميكانيكيه توالدها وازدهارها :

اذ أنها تضع بذورها ( و البذور هي السبب في وجودها ) في نفس الوقت  الذي تظهر فيه الزهره الكامله ( و الكائنه النتيجه النهائيه لنموها). أي ان ظهور البذور( السبب ) في نفس وقت ظهور الزهرة ( النتيجة ) يشير إلى مبدأ ترابط أو وحدة "السبب و النتيجه "  وهو مبدأ الأساسي ينص بأن نتائج الأمور التي نحياها في واقعنا ذات مصدر أساسي هو الأسباب السابقه لهذه النتائج – والتي لربما لانذكرها.


بذلك تنص التعاليم البوذيه على المسؤوليه الكامله للإنسان على مجرى حياته ومصيره : فليس هناك قدرات خارجية أو آلهه تحدد قدر أو أوضاع حياه الفرد , بل هناك أسباب ونتائج نحن فقط مسؤولون عنها , وبذلك نحن قادرين على تغيير المستقبل . وبما ان لكل شىء سبب , إذاً ليس هناك في الواقع ضرورة لإفتراض لقوة خارجية تحدد مصير الإنسان – أي أن المستقبل ونتائج الآمور تابعه لإرادتنا  .

6


البودا: شمس اللوتس ( نيتشيرين)Nichiren

خلال مئات السنين , بعد وفاه البودا ساكياموني , اقتصرت ممارسة التعاليم البوذية على الرهبان والكهنه في المعابد. كان السبب في عدم انتشار التعاليم الى الناس العاديين هو الصعوبة الكبرى في طريقه التقشف واسلوب التأمل والذي يتطلب تدريباً نفسياً و جسدياً كبيراً. لم تكن هذه الطرق عملية لغالبية الناس (الذين كانوا مستغرقين في العمل و الجهد في الحياه اليوميه). وبشكل خاص لم يكن ممكناً للنساء ممارسه اسلوب تلك الطرق التي تقتضي الإنقطاع عن واجباتهن العائلية والجلوس للتأمل لمدة طويلة كل يوم.

بذلك , وعلى مدى الزمن , تشكلت طبقه من الكهنه ذات مركز اجتماعي عال جعلهم أقرب  الى السلطات الحاكمة منها الى الناس العاديين.  

في هذه الأوضاع ظهر البودا نيتشيرينNichiren  (شمس اللوتسSun Lotus ) في اليابان. وقد ولد أصلاً في عام 1222 في قريه بحريه (قرب طوكيو حالياً ) في عائله فقيره وضمن أوضاع شعر من خلالها منذ طفولته  بصعوبه حياه الناس و بالضغوطات التي منعتهم من التمتع بالطمأنينه و السعاده .

تساءل نيتشيرين منذ الصغر : " ماذا يمكنني أن أفعل لكي أساعد الناس على التغلب على المعاناه ؟ " وبدءاً من عمر الثانيه عشره صمم على البحث للوصول إلى الحكمة التامة لإيجاد طريق عملي لتمكين الناس العاديين من التوصل الى حياه الاناره .

كانت حياه نيتشيرين – والتي دامت ستين عاماً – تجسيداً لكفاح مستمر ضد سيطره الكهنه و السلطات على الناس العاديين , وضد انتشار الأفكار و المعتقدات الخاطئه التي تنعكس في علاقات مبنيه على الجهل , وفي اساءات في المعاملات و أيضاً في كوارث في حياة المجتمع . وقد بدأ أولاً بدراسه عميقة لكافه المذاهب البودية وغير البودية واختبارها. وفي النهايه , بعد عشرين سنه من الممارسات المختلقه , بين نيتشيرين أن تعاليم سوترا اللوتس تحتوي في كنهها اللأعمق على بيان لنظام الطبيعه وقانون الحياه الأبديه , وكذلك على الطريق المباشر للوصول إلى الإناره و إزاله المعاناه .        

7


كان أهم ماقام به نيتشيرين هو ايجاد الطريق العملي السهل لجميع الناس لممارسة

تعاليم اللوتس :


ففي الثانيه و الثلاثين من العمر اوضح أن الإنشاد  Chanting  –   وهو ترتيل ايقاعي الصوت لقانون الحياه – هو الطريق المباشر (عوضاً عن جلسات التأمل الطويله) لإستدعاء وضع الإنارة وإيقاد الفكر و الروح بقوة الحياة . وأسلوب الإنشاد او الترتيل أسلوب فعال و سهل يمكن لأي شخص القيام به في أي ظرف كان – وبشكل خاص بدون الكون تحت سيطرة اي سلطه كانت . ويعتبر الإنشاد إنجازاً قد حرر الإنسان العادي من القيود النفسية و الروحية , و تمهيداً للطريق المباشر للوصول الى حياه الإناره

8

الإنسان العادي هو إنسان الإنارة

كيف يمكن للفرد التغلب على القلق وعلى الإستمتاع بالإطمئنان و بما هو متوفر من أوضاع مهما كانت ؟ و كيف يمكن لنا تغيير الواقع الى ما هو أفضل؟

إن فكر الإناره النابض بالسعاده يمكن أن يولًد نتائجاً عظيمة القيمة في حياة الفرد . وبما أن حياة الفرد أصلاً قائمة على علاقات مشتركة مع الآخرين, إذاً لابد لعلاقات شخص واسع الأفق , متجه إلى الهارمونية و السعادة من أن تؤثر بالضروره بشكل ايجابيً على حياه كل من هم في حقل فعاليته الصادحه بالقدرة و الحكمة . تتصف حياه النسان المنار بثلاثة أمور أساسبة :

* أولاُ - التعاطف الإنساني : أي القلبية الصادقة المشاعر مع كل الناس [دون أدنى تمييز مهما كانت طبيعته] والدفء النفسي الناجم عن تقدير واحترام حياة الآخرين.

* ثانياً - إستخدام عقل الحكمة : أي الإدراك الفكري و رؤيه الأسباب والنتائج في كل الأمور [أي اعتماد المنطق الذي يكفل العدل والفائدة للجميع].

* ثالثاً – القيام بالفعالية دون خوف من أي شيء : أي العمل و الكلام بتدفق و بشجاعة في الواقع لقيادة الحياة اليومية بكرامة , دون تنازلات أو ممالئة لأي ساطة.

إن صفات البودا ( التعاطف الإنساني , الحكمه الأعلى والشجاعه في الحياه ) هي مايتمناه كل شخص لنقسه لأن كل إنسان يشعر ضمناً أن هذه الصفات كفيله بجعل الحياه اليوميه تتالق بالنجاح و المعنى و الثقه , وبما يمكن به من ايجاد حل مناسب لأي مشكل أو صعوبة.

مالذي يعيق الإنسان العادي عن تحقيق المستوى الإنساني الأعلى ؟ بالدرجه الأولى يكمن العائق الأساسي في الظن أن الحكمه\ة الكونية و المقدرات هي خارج الإنسان , و هذا يسبب عموماً الشعور بالضعف و الدونية .  بينما تقوم البوذية أساساً على مبدأ أن ألإنسان هو بالذات تجسيد شخصي لحياة الكون وثراء الطبيعة  , وأنه - منذ الولاده – يحتوي على امكانية داخلية للوصول إلى أعلى مستوى من الحكمة و القدرة في حياته الحاليه وذلك عير فعاليات واقعيه تخدم وتفيد و تنشر السعادة والهارمونية في المحيط .        


ويجدر القول أن هناك مدارس بوذية مختلفة ترى في البودا كياناً خارقاً للطبيعة  -

خلافاً لتعاليم بوذية اللوتس والتي تنص علىى أن صفات البودا , أو الإنسان المنار ليست غريبه عن الفرد العادي اطلاقاً , بل هي تأكيد وتمتين للفطرة الإنسانية والتي تهدف الى الوصول إلى أعلى مستوى لها  : أي إلى الإنارة إلى حقيقة الحياة , وذلك في وقائع حقيقيه تخدم و تفيد و تأتي بالسعاده الى أكبر عدد ممكن من الناس.

هذا لا يعني أن الشخص المنار لن يجابه مشاكلاً تعترضه , بل إن الصعوبات التي يجابهها تصبح بذاتها وقوداً لتحويلها الى فائدة و نفع وبما يكفل الحل الأمثل لها.

فخلافاً للديانات السماويه التي تقترح "الجنة" مكاناً خاليا من الصعوبات و المشاكل , فإن البوذية تبين أنه لا وجود لوضع الركود في تغيرات الحياة اليومية . كل ما هنالك أن الحياة تحوي على تحديات وأن هنالك صعوبات ومشاكل تحصل وينبغي حلها بالشكل الأنسب . و الحل الأنسب للصعوبات - التي لا بد من مجابهتها - إنما يتبع مدى مقدرة وحكمة الشخص الذي يعالج تحديات الواقع .

ترى البوذية أن "الجنه" الخاليه من المشاكل , و "الجحيم" المليء بالمعاناه – هي مجرد أوضاع حياتيه ومشاعر داخلية للإنسان . إن مشاعر السعادة  (الجنة)  و مشاعر المعاناة (الجحيم) هي مشاعر ضمنية , وليست مكاناً معيناً منعزلاً عن الواقع الحالي . لذلك : فإن مفهوم الجنه و الجحيم كمكانين منفصلين و ثابتين يختلف عن النظرة البوذية التي ترى أن نفس الواقع الذي يحياه شخص ما , يمكن أن يثير مشاعر السعادة لشخص آخر أو المعاناة .   وأن كل  ما علينا هو القيام بتحويل الظروف الى الوضع الذي نريد.

هناك  مبدأ أساسي في التعاليم البودية  يعرف بمبدأ " تحويل السم إلى دواء ".  و كلمه السموم هنا هي مجرد رمز أو اشارة الى الصعوبات الكبيره و المشاكل التي نصادفها, أي أن هذا المبدأ يشير إلى امكانية استخدام عناصر المشاكل (أو السموم) لتحويلها الى ظروف للنمو و القدرة (أي الى دواء) والى ايجاد الحل الأكثر قيمة , بما يكفل الإتزان والكرامه للجميع .       

  10

الطريق الى الإناره

كما ذكر سابقاً , كرس الكثير من الناس حياتهم لأجل اكتشاف طريق أو ممارسه ما , لأجل جعل هذا الحقل الروحي للإناره امكانيه واقعيه .

لم يكن ذلك سهلاً : ففي البدايه اتجه العديد من الناس الى الإعتقاد أن الطريق إلى الإناره هو نتيجه للتمارين الهادفه إلى السيطره على الرغبات الماديه و الجسديه. وأدى هذا المفهوم الى اقتراح اسلوب الزهد و التقشف والتأمل الصامت للفكر meditation , والذي يستغرق مده طويله ( مما سبب اقتصار الممارسات على الرهبان) .

ولكن هدف تعاليم الإناره ليس بصدد وضع قوانين و ممنوعات , بل هو بصدد توفير ظروف لحياه متقده بالسعاده والمعنى . وهذه النظرة ترى أن الزهد و التشدد في محاربه الرغبات هو في الحقيقه تطرف , مثله كمثل الإنجراف بالرغبات دون اتزان .

في هذه الظروف , بين البودا نبتشيرين أن ما سبق في الماضي من ممارسات  للتأمل المطوًل كان طريقاً مناسباً للمرحله الإبتدائيه للبوذيه , وأن تطوير الطريق الى الإنارة يجب أن يتصف بممارسة فعلية سهلة و عملية في متناول الجميع . وبذلك أشار البودا الى اسلوب اساسي معروف في كل الحضارات : وهو النداء أو الإنشاد الروحاني.

وهذا الأسلوب يكاد أن يكون فطرياً إذ أن الإنسان في بدايه حياته كطفل ينادي بطبيعيه مصدره (والديه وأمه بالذات) برغبه قي الحمايه والغذاء و المعرفه . كذلك بشكل مماثل , فإن نداء الإناره أو الإنشاد , هو الطريق لأجل استدعاء واحياء حقل الإناره , الموجود في ضمن ادراك كل شخص . وبما أن امكانيه الإناره موجوده في حياة كل شخص ( و ليس في ظروف خارجيه عنه)  فإن الإنشاد يمكن أن يتم في أي مكان يتواجد فيه الشخص دون أي تقيد بالظروف المحيطه . وكذلك يمكن أن يتم الإنشاد في أي وقت , ويمكن أن يتم بشكل صامت أو بشكل مسموع و بدون تحديد أو أي تقييد.

11


الإنشاد

الإنشاد هو ترداد صوتي ايقاعي لجمله هي خلاصه كل التعاليم البوذيه :

                        Nam   Myo   Ho   Ren   Ge   Kyo

ولفظها هو:        نام   ميو   هو  رٍن    كٍه   كيو        

نعم   ميو   هو  رٍن    كٍه   كيو                 او أيضاً


هناك سبب هام لإختيار هذه الجمله بالذات من قبل البودا كتسميه مركزه لجميع التعاليم البوذيه , فهي عنوان اللوتس سوترا, والتي تحتوي على كافه المبادىء الحياتيه المؤديه الى نقاء الروح و العقل , متضمنه في معناها قانون الطبيعه الأبديه لحياه الإناره .

ولكن , كيف يمكن للفرد بواسطه ترداد جمله الإنشاد توليد الشعور الداخلي بالإناره ضمنياً ؟  

إن المبدأ في الإنشاد سهل مقارنته بما نعرفه عن تأثير اللحن الموسيقي على حواس الإنسان و مشاعره . فمن المعروف أن ترددات الصوت أو الألحان تستدعي في الإنسان مشاعراُ داخليه عميقه .

و تأثير الإنشاد يتم بشكل يمكن مقارنته بتأثير الإهتزازات الموسيقيه – فهو يتم على مستوى حياتي عميق , ويسبب في الشخص المنشد شعوراً داخلياً  بنقاء الفكر و بالقدره الحياتيه و بالراحه القلبيه و النفسيه .  

12



لمن يصلح الإنشاد ؟ : يمكن القول أنه إذا كان حقل الإناره مشتركاً و موجوداً في جميع الناس ضمنياً إذن فإن إمكانيه استدعائه يجب أن تتخطى اللغات و الفروقات . أي أنه يتوقع أن ترداد كلمات الإنشاد ذاتها سوف تؤدي الى نفس النتائج المرجوه لدى الجميع وبما يتخطى العناصر و الفروقات – وهذا ما يحصل في الواقع .

كيف يمكن فهم الإنشاد ؟ بشكل عام , يمكن اعتبار هذا النداء أو الإنشاد كجمله واحده من القدره الروحيه , تولد لدى تردادها توافقاً نفسياً يسبب الوضوح قي الفكر , و الإحساس بالراحه والقدره و السعاده.

معنى كلمات الإنشاد :

تعني كلمه " نام " ( ويمكن لفظها أيضاً بما يقارب " نعم " ) – تعني التوافق التام مع حياه الكون.

كلمه " ميو هو " : تـشير إلى كنه الحياه  ووحده الظواهر الروحيه و الماديه.

كلمه " رٍن كٍه " : هي تعبير عن اتزان السبب و النتيجه .

و تعني كلمه " كيو " المبداء أو النظام الأبدي للحياه .

أي أن المعنى الشامل لِ " نام-ميو-هو-رن-كه-كيو " :

" أتحد بتوافق مع طبيعة الحياة الأبدية " .

ويمكن التعمق بشكل أكبر في تفسير كلمات الإنشاد , على أن المهم هو جني الفائده العمليه للإنشاد , والتي تتحقق دوماً حتى بدون معرفه تفصيل لمعاني الكلمات.  ذلك أنه يمكن مقارنه الإنشاد  مثلاً بتناول الدواء المفيد : فكما في حال تناولنا للدواء , فإنه من الممكن طبعاً دراسه مكونات الدواء بتفصيل ومعرفه المواد الداخله في تكوينه و لكن المهم في حصيلة الأمور هو الفائدة العملية من تناولنا للدواء في الواقع .

13


ماهي لغه كلمات الإنشاد ؟ كلمات الإنشاد تأتي من اندماج ثلاثه لغات , هي : السانسكريتيه و الصينيه و اليايانيه . تعتبر اللغه السانسكريتيه مصدر اللغات الهند-أوربيه وكثير من اصولها يتواجد في لغات شرق و غرب أوربا. بذلك فإن كلمات الإنشاد - في كونها نتاج أو مزيج لعدد من اللغات - تعبًرعن ترابط الحضارات البشرية , و عن تفاعل انساني في السعي الروحي لوقف المعاناه و الوصول الى الإنارة .

تسجيل كلمات الإنشاد في لوحه : الكوهونزون Gohonzon

بعد أن بين البودا شمس اللوتس أن الإنشاد هو الطريق المباشر لإستدعاء حقل الإنارة , قام أيضاً بتسجيل كلمات الإنشاد على لوحة ورقيه خاصة ( ضمنًها توقيعه الخاص - و كتابات تشير الى قدرات الكون ) . هدف هذه اللوحة هو المساعده في التركيز أثناء الإنشاد , و أيضاً تحريض الشعور بالإنارة .            تدعى هذه اللوحة الكتابية  ب:" كوهونزون ". و تعني كلمة كوهونزون : "الوجود الأعظم قيمة و الأعمق احتراماً " – ويقصد بذلك : حياة الإنارة , كأقدس مافي الوجود.

مركز القدسية في البوذية :  "الحياة " في البوذية هي مركز القدسية . ليس هناك اعظم قيمة واعمق احتراماً وقدسية من الحياة .  تعتبر البوذية أن حياة الفرد لا تزول لدى الموت , بل هي - كالكون - أبدية و لاتفنى .

وبما أن حياة كل انسان تحتوي إمكانية الإنارة , إذاً فمركز القدسية و الإحترام  هو في داخل حياة كل انسان . لذلك لا يمكن للإنسان المنار استخدام العنف اطلاقاً ضد الآخرين , بل يتوجب استخدام عقل الإنارة في مجايهة التحديات , للإنتصار عليها بالحكمة .       



14


البوذية المعاصرة

رغم ان الفلسفة البوذية مرنه التطبيق وبسيطه في الآساس , إلا ان كثيراً من التعقيدات و الطقوس قد أضيفت على ممارستها من قبل الكهنه والرهبان.  كان ذلك مساعداً لرجال الدين على بناء هيكل من السلطة الخاصه بهم .  وقد ولًد نظام المعابد أيضاً تواجداً لممارسات شكلية ولطرائق ليست من صلب التعاليم الضرورية  . ويعرف رجال الدين كذلك بتحفظهم و ببطء قبولهم لتطورات الواقع , مما لم يكن مصدر فائدة لكثير من الناس الراغبين في الإستفادة من تفسير للتعاليم ضمن ضوء يناسب الواقع المتطور .  ولكن هذا كله لايوازي الخلاف الشديد بين الناحيه النظريه و الناحية العملية , أي التطبيق في واقع المجتمع .  فإن أكبر المشاكل في حياة كل المجتمعات كان فقدان الأمن و السلم.  ويبين التاريخ أن واقع حياة الناس عبر الأزمنة كان سجلاً لكوارث أليمة أتت بها الحروب.  ولكنه من المفروض أصلاً ان تكون الديانات حاملاً على فكر مقدس يمنع العنف و يجلب السعادة و الطمأنينه إلى الحياة الإنسانية . برغم ذلك , كانت السلطات الدينية – من مختلف العقائد – في مساندتها أو تبريرها للحروب , عاملاً في جلب مصائب لا تحصى.  البوذية أساساً فلسفة قائمه على عدم العنف. رغم ذلك فقد شارك كثير من الكهنه في دعم السلطات المدنية أثناء الحروب. ويظهر تاريخ البوذيه المعاصرة الخلاف الكبير بين السلطات الدينية للمعابد من جهه , و بين العامه من الناس من جهه أخرى , و الذين كانوا يتوقون الى ممارسه التعاليم بشكل مستقل عن التسلط الروحي و المادي لرجال الدين .

تجمع الأفراد العاديين لحماية التعاليم

في أعوام الثلاثينات من القرن الماضي قام عدد من المثقفين بإنشاء جمعية عامة في اليابان باسم   

     " جمعية إبداع القيم التعليمية "  Soka Kyoiku Gakkai

وترتكز في أصولها على تعاليم البودا نيتشيرين ( شمس اللوتس) .  كان هدف تللك الجمعية هو نشر الوعي في مجال التعليم على ضرورة احترام دور الفرد وشخصيته قي المجتمع , كما نتص عليه التعاليم   مدرساً وكاتباً انساني التطلعات . Makiguchi فقد كان مؤسسها السيد " ماكي كوتشي"

15


نمت العضوية في هذه الجمعية الى حوالي  3000 شخص في عام 1937 و لكن في ظروف كان فيها الوضع الإجتماعي آنذاك يسير نحو الإتجاه المعاكس لمبادئها . إذ ازدادت آنذاك سيطرة الحكام العسكريين وساد جو من التعبئة الجماعية و الإتجاه للعنف.  وقد فرضت الحكومة على جميع الكنائس و المعابد إعلان تأييدها للحرب , واعتبار شخص الحاكم الأعلى ( الإمبراطور) مقدساً , وفرضت السلطات وضع الإشارة الدينية للشينتو (ديانة النظام الحاكم) فوق كل المقدسات الدينية .

وفي حين أذعنت كل الكنائس و المعابد دون استثناء لطلبات الحكم العسكري رفضت جمعية "إبداع القيم "  - التي اسسها ماكي كوتشي بدعم من معاونه : السيد "تودا "Toda – رفضت الولاء مما سبب اصدار الآمر بحلها واعتقال قادتها بتهمه ‘ الإجرام الفكري ‘ في عام 1943.

 كان "ماكي كوتشي" في عمر الثانية والسبعين حين أدخل اسجن و أخضع للإستجواب ؛ أما معاونه " تودا " فقد كان في عمر الثالثة و الإربعين.  و برغم الضعف الجسمي و فقدان الغذاء المناسب والظروف الصحية , فقد رفض كلاهما الإذعان للتخلي عن مبادئهما.

توفي " ماكي كوتشي" في السجن في عمر الثالثة و السبعين , وفي فترة لاحقة أفرج عن "تودا" في نهاية الحرب ( 1945) والتي انتهت بالهزيمة التامة لليابان .

التشكّل من جديد

ضمن جو الدمار العام الذي خلفته الحرب , وظروف الفقر الشديد , سادت المعاناة وفقدان الأمل لدى عامة الشعب .  ولكن " تودا " كان متقداً بالتصميم على اعادة بناء "جمعية القيمة" لنشر مبادىء الإنارة .  ذلك أن تجربته في السجن زادت من ادراكه لمعنى حياته و لمهمته لتمكين جميع الناس من التحرر من البؤس و لإحياء روح الإشراق و السعادة بالإعتماد على مقدراتهم الضمنيه – وليس على نظام الحكم أو رجال الدين .

وجد عدد متزايد من النلس في جهود " تودا "  طريقاً للأمل و التغيير . وقد تم اعادة  تأسيس   التجمع البوذي (1951) باسم  "منظمة سوكا " . تعني كلمه " سوكا "  Soka إبداع القيّم الإنسانية –  ذلك أن إنجاز أو إبداع ما يخدم الحياة الإنسانية ( وبشكل خاص كل ما يرفع المعاناة عن الناس ويأتي بالسعادة , ولو كان ذلك مجرد كلمه أو تصرف شجاع ) سبب في تحقيق الإنارة : أي أعلى مستوى يمكن للفرد أن يحياه .                                                     

16

جمعية إبداع القيّم الإنسانية

ال سوكا كاكاي    Soka Gakkai

نمت عضوية "  جمعية السوكا " بعد الحرب العالمية الثانية من مجرد شخص واحد   Toda( تودا) إلى ما يقارب المليون لدى وفاته (1958). وقد تم ذلك بالجهود المشتركه له و لمساعد معاون له من الشباب هو: السيد " إيكيدا "  Ikeda , والذي دفع بالمنظمة فيما بعد الى النطاق العالمي .

نشأ السيد "دايساكو إيكيدا "  Daisaku Ikeda في ظروف اجتماعيه فقيرة لم تمكنه من متابعه دراسته الثانوية . و كان ضعيف الصحة الى حد كبير . ولكنه استطاع من خلال ممارسته لتعاليم الإنارة أن يطور كل أوضاعه : مستعيداً صحة ممتازة و بازغاً على المستوى العالمي كشاعر و كاتب لعدد يفوق المئه من الكتب , نشرت بملايين النسخ و ترجم بعضها الى عشرة لغات .

وقد استخدم " إيكيدا " عائدات كتبه و منشوراته الثقافيه الوافرة لبناء المدارس و الجامعات , و لبناء أبنية المراكز الثقافية للتعلم و لممارسه الإنشاد . كذلك منح " ايكيدا " عشرات الشهادات اللفخرية , و الإعتبارات الرسمية تقديراً لجهوده في نشر الثقافة و السلم و التعليم في العالم

تولى " أيكيدا " رئاسة ال سوكا كاكاي في 1960 وقاد مشاريع نشر تعاليم بوذية اللوتس في ضمن صفوف عامة الناس , مدافعاً ضد حملات كثيرة من قبل قوى المتطرفين و المتسلطين لإفشال نشر تعاليم الإنارة. وسرعان ما ازدادت العضوية الى ثلاثة ملايين . والذين انتقل عدد منهم الى دول و مناطق مختلقة في العالم , مما شكل نواة انتشار التعاليم البوذيه للسوكا كاي على الصعيد العالمي .   

وقد مثّل السيد "إيكيدا" هذا التجمع الإنساني في لقائآته مع كثير من المسؤولين الثقاقيين و الفنيين والحكوميين , مبيناً فكر البوذية في احترام كافة الديانات و الحضارات , و مقدماً اقتراحات لأجل السلم .

موقف تعاليم ال " سوكا كاكاي " من الحضارات الدينية : تعتقد جمعية ال سوكا كاكاي أن الهدف الأساسي لكل الحضارات الدينية هو نشر المفاهيم الإنسانية و ليس نشر الكراهية و التفرقة بين النلس . لذلك تدعو الجمعية إلى الحوار الحضاري , وتعمل على وقف التحامل الديني أو العنصري .  وقد جرت مقابلات للحوار مع عدد من المثقفين و المسؤلين لكافة الديانات العالمية للتعاون لنشر الصداقة و الطمأنينة و الحرية الدينية و احترام مشاعر و عقائد كل الأفراد , اعتماداً على أن البوذية أصلاً لاتعادي  ولا تعاند أياً من الديانات .                                 17  


                                                                                            

الجمعية العالمية لإبداع القيم

ال سوكا كاكاي انترناسيونال S  G  I

إجتمع ممثلون عن خمسين من هذة التجمعات البوذية من بلاد متفرقة في عام 1975 في جزيرة"كوام" التي تتوسط المحيط الهادي , وقرروا تشكيل:

          " الجمعية العالمية  لإبداع القيمة "International    Soka  Gakkai

و في عام 2007 بلغ عدد أعضاء S G I  حوالي ال 12 مليوناَ ( عشرة ملايين في اليابان و مليونين في جماعات متفاوتة الحجم منتشرة في مئة وتسعين دولة ) يوحدهم هدف ازالة المعاناة  من الحياة اليومية , و نشر السعادة و السلم من خلال تعاليم الإنارة وذلك بدءاً من حياتهم الشخصية .

تعتبر ال S G I   أكبر تجمع بوذي عالمي  , وتتميز بانتماء اعضائها إلى جميع الجنسيات وكذلك الى كافه المستويات و الطبقات الإجتماعية . و تتلخص فعالياتها على عقد اجتماعات في فرق صغيرة للدراسة والنقاش تبدأ عادة بالإنشاد , وكذلك على مشاركات فنية عامة . على أن أهم ظاهرة في ممارستها البوذية تكمن في كونها ممارسة شخصية لاتعتمد على كهنه أو معابد .               

زوال سلطة رجال الدين : في بداية نشأة الجمعية , اعتمد أعضاءها على توجيهات المدرسة الأرتودوكسية للبوذية . وقد استمتع رهبانها بالإتساع الكبير الذي تم بفضل الجهود الشاقة للأفراد العاديين من عامة الناس. كذلك ازدادت مطالب رجال الدين بأن تقوم الجمعية ببناء المزيد من المعابد ودفع المزيد من التبرعات .

من ناحية اضافية , فإن خلافاً في المبادىْ قد بدأ ينمو بين نظرة الرهبان التقليدية و طقوسهم الخاصة و بين الروح التقدمية لأعضاء الجمعية . ولإعلان السلطة لتسيير عامة الناس , اصدرت رئاسة المعبد الرئيسي في عام 1991 أمراً بالطاعة المطلقة لرئيس الكهنه . ولكن رد الفعل كان رفضاً لذلك مما أدى إلى انفصال الجمعية عن نظام الرهبان . وكما هو متوقع فقد ساند عدد من الرهبان الشباب موقف العامة من الناس و انضموا بدورهم الى الجمعية .

ويجدر بالذكر أن التعاليم البوذية التي تعتنقها الجمعية , تعتمد قي أساسهاً على كون الفرد العادي قادراً على الوصول إلى الإنارة دون ضرورة لأي سلطة خارجية أو تبعيه ودون ضرورة للكون في معبد أو مكان محدد . بذلك فإن التركيز على دور الفرد و حريته هي الممارسة المعتمدة  .  

18

مفاهيم أساسية

الممنوعات و التحديدات : الأمر الوحيد الذي يجب احترامه-  في تعاليم البودا نيتشيرين - هو كرامة الحياة . أي أن الأمر الوحيد الممنوع هو: الإساءة إلى كرامة حياة الفرد.  أما الآمور التفصيلية من طعام او شراب أو ممارسات او عادات , فليس هناك أي تحديد طالما أن ذلك  ليس فيه إساءة إلى  الآخرين . كثير من المدارس البوذية يعتمد عدداً من المحرمات والتقييدات , و قد بيَن البودا نيتشيرين أن هذه الممنوعات قد خدمت مرحلياً في تاريخ البوذية في اعداد الرهبان لممارسه التأمل . أما المرحلة الحالية لممارسة التعاليم من قبل عامة الناس , قإنها  لا تقتضي أياً من الموانع أو التقييدات في أي من الآمور اليومية .

إن الإتزان في كل الأمور واجب , وهذا هو المبدأ الأساسي الذي يترك لكل فرد تطبيقه بحريّة و  باحترام لرغبات الشخص الخاصة , والتي ليس فيها اساءة للآخرين .

الحياة و الموت : إن حياة الإنسان الحالية جزء لاينفصل عن حياة الكون . و هي كالكون الأبدي الوجود لاتفنى عند الموت . يمكن تشبيه مرحلة ولادة الإنسان بمرحلة الفجر لدى بدء النهار الذي يمثّل فترة الحياة ( أو العيش ) حتى الغروب حيث تبدأ فترة الليل أو مرحلة الموت . إن مرحلة الموت ضرورية لآجل تجديد الحياة , مثل ضرورة النوم بعد نهار مليء بالأحداث , حيث يستعيد النائم الراحة و القدرات و يتشرب طاقة من التجديد و الإنتعاش لبدء يوم جديد و مرحلة  تالية لنهار يتلوه ليل , في دورة طبيعية دائمة التكرار .

لايمكن للموت أن يتواجد دون وجود الحياة أصلاً , أي ان كلاً منهما يتضمن اللآخر . وتنظر البوذية إلى  *الحياة * على أنها تحتوي مرحلتي الحياة ( أو العيش) و الموت الذي هو أيضاً جزء لاينفصل عن *الحياة* تماماً كما قي مثال * اليوم *  بجزئيه الذين لا ينفصلان .  وكما ينتهي الليل ببزوغ فجر جديد , كذلك تنتهي مرحلة الموت بولادة جديدة , في ظروف جديدة و شخصية جديدة لايربطها بالحياة السابقة سوى اتجاهات وميول عامة هي نتائج خلاصة كل الأحداث التي زالت تفصيلاتها وبقي منها خافية عامة  لمساراتها  و دوافعها , والتي تعطي تمييزاً بين الأفراد .

إن الإعتقاد بأن كل ما يقوم به الفرد من فعاليات في الحياة الحالية يتسجل ضمناً و ينتقل كنهه او خلاصته عبر الموت إلى ولادة قادمة , هذا الإعتقاد يفيد في ضرورة الوعي و إدراك المسؤولية الشخصية قي التصرفات الحالية التي تؤثر في قيمة حياة الفرد في الواقع المحيط .

19                              

الكارما : حين يمشي احد ( على سبيل المثال ) على ارض طينية , فإنه يصنع انطباعاً عليها بفعل وزنه . وإذا تابعنا هذا المثال , فإن هناك حالات من الإنطباعات التي تصّلدت وظللت كما هي رغم مرور فترة كبيرة من الزمن . وقد يكون هذا المثال مناسباً لتقريب مفهوم الكارما – والذي ينص على أن كل فعالية (عمل أو كلام أو تفكير) يقوم بها الفرد تترك انطباعاً  لامحاله ضمن حياته . تتسّجل ماهية الفعاليات التي يقوم بها كل فرد  بشكل تلقائي في فكره , صانعة بذلك مجالات من القدرة الكامنة في حياته - سلبية كانت أو ايجابية -  وذلك حسب طبيعتها : هل أساءت إلى حياة الآخرين أو أنها قد ساهمت في رفع المعاناة وساعدت في نشر الفائدة و السعادة .

تعني كلمة الكارما Karma : عمل الإنسان أي قعالياتة النفسية و القكرية و الجسدية ( من تفكير و كلام و عمل في الواقع ) . ويمكن تعريف الكارما ب: تراكم خلاصة كل الأقكار و الأقوال و الأفعال التي قام بها الفرد في السابق حتى الآن , اي ان الكارما هي السجل الداخلي للحياة .  

يمكن أن تتعمق هذة السجلات الكارمية في الزمن (بفعل تكرار نفس الفعاليات التي تشكلها) صانعة بذلك اتجاهاً في حياة الفرد وميولاً تؤثر على مجرى الأحداث وعلى مصير الشخص . ولكن يمكن للفرد ايضاً بذل الجهد للقيام بفعاليات مغايرة تتسجل كذلك في حياته ,  وتعدّل من عمق المجالات الكارمية السابقة . أي ان السجل الداخلي للإنسان ليس ثابتاً , ومصيرة ليس محدداً بالماضي بل يمكن تحويله وتغييره Transformation  . يمكن تشبيه السجل الضمني لحياة الفرد بسجل حساب "البنك الروحي" الخاص بالفرد , إن صح التعبير , والذي يمكن زيادة ثرائه بشكل ايجابي أو انقاصه بشكل سلبي , حسب نوعية الأعمال التي توضع فيه.  

تساهم الكارما في عملية حصول الأحداث في الواقع . إذ ان الفرد يمكن أن يجد نفسه منجذباً بقوة الى التصرف بشكل معين , مثلاً بعاطفية و غضب أو بحكمة ورزانة تجاه ظروف معينة . إن مايحصل من أمور ليس قدراً لامفر منه , بل إن هناك تناسب بين الكارما الشخصية و احداث الواقع . وإن كانت الأسباب الكارمية الخاصة – والتي جذبت حصول الأمور - غير مرئية .

تكمن الميول الكارمية كقدرة كامنة في مستوى عميق في حياة الفرد , ولا يمكن لها أن تختفي , وهي تنتقل عبر الموت الى حياة لاحقة كاتجاهات وميول  (أو كمقدرات و إمكانيات) خاصة بالمولود الجديد. لاتعتقد البوذية بوجود "روح" خاصة بالفرد لأن الروح مفهومها ثابت لا يتغير , بينما يبيّن مفهوم ال كارما أن الإتجاه النفسي( أو الروحي) يتغيّر حسب مسؤولية الشخص وعوضاً عن مفهوم الروح الثابتة , تعتمد البوذية مفهوم قدرة الكارما (الدائمة التغير قي حياة الإنسان) .

20


الثواب و العقاب :  لأجل توضيح النظرة البوذية حول نتائج الأعمال , يمكن ايراد المثال التالي : إن قانون الجاذبية موجود بشكل طبيعي ,  وهو يشمل المحيط و الإنسان ( الذي يتحرك ضمنه ). فإذا كانت حركة أو فعالية الفرد منسجمة مع تأثير قانون الجاذبية على جسمه , قإن النتيجة تكون استمتاعاً بالحركة – وما عكس ذلك يكون حادثاً يجلب الألم و المعاناة . ولكن حصول حادث أليم ليس "عقاباً" بل نتيجة لعدم الإلمام أو نتيجة للتسرّع وعدم الإتزان ,أي عدم الملائمة المشتركة بين حركة الفرد و القانون .

كذلك الأمر في وجود قانون الحياة الأزلي :( نام- ميو- هو - رن - كه - كيو ) والذي هو اتزان كل عناصر و ظواهر الكون في حياة الإنسان و المحيط . حين تكون فعالية الإنسان هارمونيه الإنسجام بين حياته و حياة المحيط  , يكون ذلك سبب في الفائدة المشتركة و السعادة ( أو الثواب- المكافأة ) – وما عكس ذلك سبب في المعاناة ( الخسارة العاقبة) . أي أن النتيجة ( ايجابية كانت أو سلبية ) ملازمه للسبب في حصول الآمور , وهذا ما يدعى ب : " وحدة السبب و النتيجة " .

تعني وحدة السبب و النتيجة أن قانون الحياة موجود ضمن الفكر (قي كل فرد منذ الولادة) و أن "الحساب" يجري داخل ضمير الفرد , وأن النتائج تجري في الواقع .

إن مفهوم الثواب و العقاب موجود في البوذية ولكن ليس بشكل عطاء من قوة خارجية او سماوية , بل بشكل النتيجة الحتمية الملازمة للأسباب التي يقوم بها الإنسان ( و التي تتسجل بتلقائية ضمن حياة الإنسان ) .  تظهر نتائج الآفعال إما فوراً أو بعد فترة حسب توافر الظروف .  

ولكن: ما هي نوعية هذه النتائج؟ ما هي طبيعة مفهوم الثواب و العقاب ؟ ببساطة : انها السعادة او المعاناة . إن السعادة و المعاناة حال شعوري ضمني , وليس شيئاً موجوداً في مكان معين . يمكن لنا ان نشعر بالسعادة و التمالك حتى في ظروف صحراوية و كذلك بالمعاناة الداخلية الهائلة التأثير حتى في أجمل الآماكن الوافرة .

لذلك فإن مفهوم الجنة و الجحيم لا يحدد مكانين منفصلين موجودين بعد الموت , بل إن الواقع الحالي الآن يحوي الظروف الحياتية التي يمكن أن تؤدي إلى احساسنا الضمني بالحبور و الرضى و الإنسجام مع وجود حياة الكون – أو اى عكس ذلك من مشاعر المعاناة الجحيمية , وهذا يعني أن المكان أو الظروف الحالية ليست مصدراً لنيل السعادة أو اتقاء المعلناة .

يعطي مفهوم  " وحدة السبب و النتيجة"  المسؤولية في تحديد المصير[ المفتوح الأفق لنا دون حاجز ], و كذلك يعطي مدّاً من الأمل , أنه يمكن لنا تغيير نتائج الأفعال السابقة فوراً و ذلك بالقيام بفعاليات حالية مباشرة معتمدة على التصميم للإتجاه ألى مستوى جديد قائم على لإنسجام مع قانون الوجود .     


صفوان

Homepage